السيد محمد صادق الروحاني
11
زبدة الأصول (ط الخامسة)
3 / الميزة الثالثة : جمالُ البيان وإيجازه . لا يخفى أنَّ القدرة على بيان الحقائق والمفاهيم النظريّة - سيّما المعقد منها - نعمةٌ يُغبَطُ عليها صاحبها ، وهي كاشفةٌ غالباً عن صفاء المعلومات المختزنة في الذهن ، وعدم تشويشها ؛ ولذلك يستطيع صاحبها أن يصبَّها في قوالب لفظيّة مؤدّيةٍ إليها . غيرَ أنَّ الأروعَ من ذلك أن تكون هذه القدرةُ مقترنةً بقدرةٍ أخرى لا تقلّ عنها أهمّيةً وجمالًا ، وهي القدرة على إيجاز البيان واختصاره وعدمِ الإسهاب فيه ، وصاحبُ هذه القدرة هو المتمكّنُ من اختيار قوالب الألفاظ التي لا تزيد ولا تنقص عن المعاني التي يريد إيصالها إلى ذهن المُخَاطَب ، وهذا ما يميّز سيّدنا دامت بركاته - كما يظهر للمتابع لمؤلّفاته القيّمة - فإنّه ليس صاحبَ قدرةٍ بيانيّةٍ فحسب ، بل هو صاحبُ قدرةٍ فائقةٍ على إيجازِ البيان وهندستهِ في حدود مُراداته التي يُريد تفهيمها ، فقلمُهُ الشريفُ مصداقٌ بارز لمقالة العرب الشهيرة : « خيرُ الكلامِ ما قلَّ ودلَّ » ، ولقولِ سيّد البلاغة والبُلغاء عليه السلام : « ثلاثةٌ فيهنَّ البلاغة : التقرّب مِن معنى البُغية ، والتبعّد مِن حشوِ الكلام ، والدلالةُ بالقليلِ على الكثير » . وقد وصفه أحدَ أساتذة البحث العالي في الحوزة العلميّة بقم المقدّسة ، بقوله : إنّني إذا لم يتّضحِ لي المرادُ الجدّي من كلامِ المحقّقِ الخوئي قدس سره أرجع لكتاب « زبدة الأصول » للسيّد الروحاني دام ظلّه فأجدهُ قد أوضحَ ما أُغلق عليَّ ببيانٍ مفهومٍ وجميلٍ . والأمرُ كما أفاده هذا العالم الجليل ، فإنّ سماحةَ السيّد دام ظلّه الشريف قد أخرجَ الكثير من الأبحاث والنظريّات الاصوليّة مِن كَتْمِ الإغلاق والتعقيد ، وصبَّها في قوالبَ جديدة تتّسمُ بلطفِ الصياغة وحُسْنِ البيان ، فأوضحَ بذلك مغلقاتها وحلَّ معضلاتها وعالجَ مبهماتها ، ولعلّه لا نكون مبالغين في وصف كتاب « زبدة الأصول » ، إذا قلنا إنّه مفتاح من مفاتيح المعرفة الاصوليّة ، سيّما فيما يرتبط بآراء العَلَمين الكبيرين : العراقي والأصفهاني 0 ؛ إذ كثيراً ما يقف الفكر حائراً عند عبائرهما المغلقة ، ولكن بالرجوع إلى كلمات السيّد دامت بركاته يتلاشى ذلك الإغلاق ، ويتبدّل إلى رؤيةٍ واضحةٍ غير مشوبةٍ بغموض .